كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والقرآن كله معرض بيان هذه الحقيقة..
إن الله هو الخالق.. خلق هذا الكون، وخلق هذا الإنسان. وسخر ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان.. وهو سبحانه متفرد بالخلق، لا شريك له في كثير منه أو قليل.
وإن الله هو المالك.
بما أنه هو الخالق.. ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما.. فهو سبحانه متفرد بالملك. لا شريك له في كثير منه أو قليل.
وإن الله هو الرازق.. فلا يملك أحد أن يرزق نفسه أو غيره شيئًا. لا من الكثير ولا من القليل..
وإن الله هو صاحب السلطان المتصرف في الكون والناس.. بما أنه هو الخالق المالك الرازق.. وبما أنه هو صاحب القدرة التي لا يكون بدونها خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر. وهو سبحانه المتفرد بالسلطان في هذا الوجود.
والإيمان هو الإقرار لله سبحانه بهذه الخصائص. الألوهية، والملك، والسلطان... متفردًا بها لا يشاركه فيها أحد. والإسلام هو الاستسلام والطاعة لمقتضيات هذه الخصائص.. هو إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة على الوجود كله- وحياة الناس ضمنًا- والاعتراف بسلطانه الممثل في قدَره؛ والممثل كذلك في شريعته. فمعنى الاستسلام لشريعة الله هو- قبل كل شيء- الاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته وسلطانه. ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة، واتخاذ شريعة غيرها في أية جزئية من جزئيات الحياة، هو- قبل كل شيء- رفض الاعتراف بألوهية الله وربوبيته وقوامته وسلطانه.. ويستوي أن يكون الاستسلام أو الرفض باللسان أو بالفعل دون القول.. وهي من ثم قضية كفر أو إيمان؛ وجاهلية أو إسلام. ومن هنا يجيء هذا النص: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.. {الظالمون}.. {الفاسقون}.
والاعتبار الثاني هو اعتبار الأفضلية الحتمية المقطوع بها لشريعة الله على شرائع الناس.. هذه الأفضلية التي تشير إليها الآية الأخيرة في هذا الدرس: {ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون}.
والاعتراف المطلق بهذه الأفضلية لشريعة الله، في كل طور من أطوار الجماعة، وفي كل حالة من حالاتها.. هو كذلك داخل في قضية الكفر والإيمان.. فما يملك إنسان أن يدعي أن شريعة أحد من البشر، تفضل أو تماثل شريعة الله، في أية حالة أو في أي طور من أطوار الجماعة الإنسانية.. ثم يدعي- بعد ذلك- أنه مؤمن بالله، وأنه من المسلمين.. إنه يدعي أنه أعلم من الله بحال الناس؛ وأحكم من الله في تدبير أمرهم. أو يدعي أن أحوالًا وحاجات جرت في حياة الناس، وكان الله سبحانه غير عالم بها وهو يشرع شريعته؛ أو كان عالمًا بها ولكنه لم يشرع لها! ولا تستقيم مع هذا الادعاء دعوى الإيمان والإسلام. مهما قالها باللسان!
فأما مظاهر هذه الأفضلية فيصعب إدراكها كلها. فإن حكمة شرائع الله لا تنكشف كلها للناس في جيل من الأجيال. والبعض الذي ينكشف يصعب التوسع في عرضه هنا.. في الظلال.. فنكتفي منه ببعض اللمسات:
إن شريعة الله تمثل منهجًا شاملًا متكاملًا للحياة البشرية؛ يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية؛ في جميع حالاتها، وفي كل صورها وأشكالها.
وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني، والحاجات الإنسانية، وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان؛ وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية.. ومن ثم لا يفرط في شيء من أمور هذه الحياة؛ ولا يقع فيه ولا ينشأ عنه أي تصادم مدمر بين أنواع النشاط الإنساني؛ ولا أي تصادم مدمر بين هذا النشاط والنواميس الكونية؛ إنما يقع التوازن والاعتدال والتوافق والتناسق.. الأمر الذي لا يتوافر أبدًا لمنهج من صنع الإنسان الذي لا يعلم إلا ظاهرًا من الأمر؛ وإلا الجانب المكشوف في فترة زمنية معينة؛ ولا يسلم منهج يبتدعه من آثار الجهل الإنساني؛ ولا يخلو من التصادم المدمر بين بعض ألوان النشاط وبعض. والهزات العنيفة الناشئة عن هذا التصادم.
وهو منهج قائم على العدل المطلق.. أولًا.. لأن الله يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق وكيف يتحقق.. وثانيًا.. لأنه سبحانه رب الجميع؛ فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع؛ وأن يجيء منهجه وشرعه مبرأ من الهوى والميل والضعف- كما أنه مبرأ من الجهل والقصور والغلو والتفريط- الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج أو في أي شرع من صنع الإنسان، ذي الشهوات والميول، والضعف والهوى- فوق ما به من الجهل والقصور- سواء كان المشرع فردًا، أو طبقة، أو أمة، أو جيلًا من أجيال البشر.. فلكل حالة من هذه الحالات أهواؤها وشهواتها وميولها ورغباتها؛ فوق أن لها جهلها وقصورها وعجزها عن الرؤية الكاملة لجوانب الأمر كله حتى في الحالة الواحدة في الجيل الواحد..
وهو منهج متناسق مع ناموس الكون كله. لأن صاحبه هو صاحب هذا الكون كله. صانع الكون وصانع الإنسان. فإذا شرع للإنسان شرع له كعنصر كوني، له سيطرة على عناصر كونية مسخرة له بأمر خالقه؛ بشرط السير على هداه، وبشرط معرفة هذه العناصر والقوانين التي تحكمها.. ومن هنا يقع التناسق بين حركة الإنسان وحركة الكون الذي يعيش فيه؛ وتأخذ الشريعة التي تنظم حياته طابعًا كونيًا، ويتعامل بها لا مع نفسه فحسب، ولا مع بني جنسه فحسب! ولكن كذلك مع الأحياء والأشياء في هذا الكون العريض، الذي يعيش فيه، ولا يملك أن ينفذ منه، ولابد له من التعامل معه وفق منهاج سليم قويم.
ثم.. إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان.. ففي كل منهج- غير المنهج الإسلامي- يتعبد الناس الناس. ويعبد الناس الناس. وفي المنهج الإسلامي- وحده- يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده بلا شريك..
إن أخص خصائص الألوهية- كما أسلفنا- هي الحاكمية.. والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها.
فهم عبيده لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله.
والإسلام حين يجعل الشريعة لله وحده، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويعلن تحرير الإنسان. بل يعلن «ميلاد الإنسان».. فالإنسان لا يولد، ولا يوجد، إلا حيث تتحرر رقبته من حكم إنسان مثله؛ وإلا حين يتساوى في هذا الشأن مع الناس جميعًا أمام رب الناس..
إن هذه القضية التي تعالجها نصوص هذا الدرس هي أخطر وأكبر قضايا العقيدة.. إنها قضية الألوهية والعبودية. قضية العدل والصلاح. قضية الحرية والمساواة. قضية تحرر الإنسان- بل ميلاد الإنسان- وهي من أجل هذا كله كانت قضية الكفر أو الإيمان، وقضية الجاهلية أو الإسلام..
والجاهلية ليست فترة تاريخية؛ إنما هي حاله توجد كلما وجدت مقوماتها في وضع أو نظام.. وهي في صميمها الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر، لا إلى منهج الله وشريعته للحياة. ويستوي أن تكون هذه الأهواء أهواء فرد، أو أهواء طبقة، أو أهواء أمة، أو أهواء جيل كامل من الناس.. فكلها.. ما دامت لا ترجع إلى شريعة الله.. أهواء..
يشرع فرد لجماعة فإذا هي جاهلية. لأن هواه هو القانون.. أو رأيه هو القانون.. لا فرق إلا في العبارات!
وتشرع طبقة لسائر الطبقات فإذا هي جاهلية. لأن مصالح تلك الطبقة هي القانون- أو رأي الأغلبية البرلمانية هو القانون- فلا فرق إلا في العبارات!
ويشرع ممثلوا جميع الطبقات وجميع القطاعات في الأمه لأنفسهم فإذا هي جاهلية.. لأن أهواء الناس الذين لا يتجردون أبدًا من الأهواء، ولأن جهل الناس الذين لا يتجردون أبدًا من الجهل، هو القانون- أو لأن رأي الشعب هو القانون- فلا فرق إلا في العبارات!
وتشرع مجموعة من الأمم للبشرية فإذا هي جاهلية. لأن أهدافها القومية هي القانون- أو رأي المجامع الدولية هو القانون- فلا فرق إلا في العبارات!
ويشرع خالق الأفراد، وخالق الجماعات، وخالق الأمم والأجيال، للجميع، فإذا هي شريعة الله التي لا محاباة فيها لأحد على حساب أحد. لا لفرد ولا لجماعة ولا لدولة، ولا لجيل من الأجيال. لأن الله رب الجميع والكل لديه سواء. ولأن الله يعلم حقيقة الجميع ومصلحة الجميع، فلا يفوته سبحانه أن يرعى مصالحهم وحاجاتهم بدون تفريط ولا إفراط.
ويشرع غير الله للناس.. فإذا هم عبيد من يشرع لهم. كائنًا من كان. فردًا أو طبقة أو أمة أو مجموعة من الأمم..
ويشرع الله للناس.. فإذا هم كلهم أحرار متساوون، لا يحنون جباههم إلا لله، ولا يعبدون إلا الله.
ومن هنا خطورة هذه القضية في حياة بني الإنسان، وفي نظام الكون كله:
{ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن}. فالحكم بغير ما أنزل الله معناه الشر والفساد والخروج في النهاية عن نطاق الإيمان.. بنص القرآن..
{يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا. ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا. أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم. سماعون للكذب أكالون للسحت. فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم. وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا. وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط. إن الله يحب المقسطين. وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين}.
هذه الآيات تشي بأنها مما نزل في السنوات الأولى للهجرة؛ حيث كان اليهود ما يزالون بالمدينة- أي قبل غزوة الأحزاب على الأقل وقبل التنكيل ببني قريظة إن لم يكن قبل ذلك، أيام أن كان هناك بنو النضير وبنو قينقاع، وأولاهما أجليت بعد أحد والثانيه أجليت قبلها- ففي هذه الفترة كان اليهود يقومون بمناوراتهم هذه؛ وكان المنافقون يأرزون إليهم كما تأرز الحية إلى الجحر! وكان هؤلاء وهؤلاء يسارعون في الكفر؛ ولو قال المنافقون بأفواههم: آمنا.. وكان فعلهم هذا يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤذيه..
والله سبحانه يعزي رسوله صلى الله عليه وسلم ويواسيه؛ ويهون عليه فعال القوم، ويكشف للجماعة المسلمة حقيقة المسارعين في الكفر من هؤلاء وهؤلاء؛ ويوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المنهج الذي يسلكه معهم حين يأتون إليه متحاكمين؛ بعد ما يكشف له عما تآمروا عليه قبل أن يأتوا إليه وما بيتوه:
{يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك. يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا...}.
روي أن هذه الآيات نزلت في قوم من اليهود ارتكبوا جرائم- تختلف الروايات في تحديدها- منها الزنا ومنها السرقة.. وهي من جرائم الحدود في التوراة؛ ولكن القوم كانوا قد اصطلحوا على غيرها؛ لأنهم لم يريدوا أن يطبقوها على الشرفاء فيهم في مبدأ الأمر. ثم تهاونوا فيها بالقياس إلى الجميع، وأحلوا محلها عقوبات أخرى من عقوبات التعازير (كما صنع الذين يزعمون أنهم مسلمون في هذا الزمان!).. فلما وقعت منهم هذه الجرائم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تآمروا على أن يستفتوه فيها.
فإذا أفتى لهم بالعقوبات التعزيرية المخففة عملوا بها، وكانت هذه حجة لهم عند الله.. فقد أفتاهم بها رسول!.. وإن حكم فيها بمثل ما عندهم في التوراة لم يأخذوا بحكمه.. فدسوا بعضهم يستفتيه.. ومن هنا حكاية قولهم:
{إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا}.
وهكذا بلغ منهم العبث، وبلغ منهم الاستهتار، وبلغ منهم الالتواء أيضًا في التعامل مع الله والتعامل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبلغ.. وهي صورة تمثل أهل كل كتاب حين يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم؛ وتبرد فيها حرارة العقيدة، وتنطفئ شعلتها؛ ويصبح التفصي من هذه العقيدة وشرائعها وتكاليفها هو الهدف الذي يبحث له عن الوسائل؛ ويبحث له عن «الفتاوى» لعلها تجد مخرجًا وحيلة؛ أليس الشأن كذلك اليوم بين الذين يقولون: إنهم مسلمون: {من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم}! أليسوا يتلمسون الفتوى للاحتيال على الدين لا لتنفيذ الدين؟ أليسوا يتمسحون بالدين أحيانًا لكي يقر لهم أهواءهم ويوقع بالموافقة عليها! فأما إن قال الدين كلمة الحق وحكم الحق فلا حاجة بهم إليه.. {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا}! إنه الحال نفسه. ولعله لهذا كان الله سبحانه يقص قصة بني إسرائيل بهذا الإسهاب وهذا التفصيل، لتحذر منها أجيال «المسلمين» وينتبه الواعون منها لمزالق الطريق.